‫الرئيسية‬ مقالات هل ينهض المجتمع الدرزي في سوريا من داخله؟

هل ينهض المجتمع الدرزي في سوريا من داخله؟

رشاد ابو سعدة- مدير المركز

✒️ نهضة من قلب السكون

هل ينهض المجتمع الدرزي في سوريا من داخله؟
تحليل اجتماعي–سياسي صادر عن مركز المشكاة للدراسات

في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتهدد فيه البنى التقليدية بالانهيار، يقف المجتمع الدرزي في سوريا أمام مفترق طرق تاريخي.
فلم يعد ممكنًا تأجيل الأسئلة الكبرى:
إلى أين نمضي؟ وعلى أي أساس نُعيد بناء ذاتنا؟
هل نراهن على البنى القديمة التي أُنهكت؟ أم نبتكر صيغة جديدة للنهوض… من داخلنا هذه المرة؟

ما يُلفت في الحالة الدرزية أنها لم تُهزم في ميدان، بقدر ما أُنهكت بالصمت، والإرهاق، وفقدان المشروع.
لكن المجتمع الذي صمد طيلة قرن، ورفض الذوبان في الصراعات المذهبية، واحتفظ بهويته الأخلاقية، لا يزال قادرًا – إذا شاء – أن يبدأ من جديد.

العائلة الدرزية… من حاضنة القيم إلى أداة نفوذ

في قلب هذا المجتمع، كانت العائلة حجر الأساس، لا فقط في التكوين الاجتماعي، بل في تشكيل السلوك والتربية والانتماء.
المضافات، الحضور في المجالس، التقاليد الشفهية، الرقابة الأخلاقية، كلها أسّست لهوية خاصة، صاغت أجيالًا على قيم الالتزام والاحترام والكرامة.

لكن، منذ خمسينيات القرن الماضي، سعت الدولة الأمنية – بصيغها المتعاقبة – إلى تعزيز نفوذ شخصيات داخل العائلات، وربط القرار المحلي بالعلاقات مع السلطة المركزية.
جرت عملية منهجية لتعزيز الزعامات المتحالفة، وتحويلها إلى أدوات ضبط سياسي واجتماعي، على حساب التمثيل الشعبي الحقيقي.

وهكذا، رغم بقاء الشكل، خفتت الروح.
وتحوّلت العائلة من مؤسسة تربية وحكمة إلى ميدان صراع نفوذ داخلي وخارجي، واستُنزفت في ولاءات لا تصب بالضرورة في مصلحة المجتمع.

مجتمع يملك الطاقة… ويفتقد المشروع

في السنوات الأخيرة، وبخاصة بعد تصاعد الصراعات والانهيارات، بدأت تظهر بوادر تعب جماعي من الفراغ السياسي والاجتماعي.
جيل جديد لا يجد تمثيله الحقيقي، ونُخب شابة تصطدم بسقف التوريث والتقليد، وحالة إحباط عام من تكرار نفس الوجوه والخيارات.

لكن، في المقابل، تبرز حركة وعي كامنة:
أحاديث بين الشباب، مبادرات على الأرض، محاولات تنظيم مجتمعي، ووعي متزايد بأن “الحياد لم يعد خيارًا، ولا الوقت في صالح أحد”.

هذه المؤشرات كلها تدل على أن الطاقة لم تُفقد، لكنها تنتظر إطارًا جامعًا، مشروعًا يحترم التاريخ ويُحدث القطيعة مع التبعية.

نحو مشروع سياسي–اجتماعي وطني؟

أمام هذا الواقع، يبرز سؤال ضروري:
هل يمكن للمجتمع الدرزي أن يُنتج مشروعًا سياسيًا–اجتماعيًا حديثًا، يجمع نخبه وطاقاته تحت مظلة واحدة، تمثّل جيلًا يريد أن يكون شريكًا لا تابعًا؟

لا نتحدث هنا عن حزب طائفي، بل عن إطار وطني ينطلق من القيم المجتمعية الأصيلة، وينفتح على الدولة والمستقبل، ويربط بين التربية السياسية والموروث الأخلاقي.

هذا المشروع يمكن أن:

يعيد تعريف العلاقة مع الدولة على أساس الحقوق والواجبات.

يؤطّر الجيل الجديد بنَفَس وطني جامع، لا جهوي أو انفعالي.

يُحدث توازنًا بين المشاركة الفعلية والانتماء المحلي.

يحمي المجتمع من التهميش أو الاستغلال الخارجي، ويوفّر منبرًا للتعبير والمبادرة.

🧭 رأي المشكاة:

يرى مركز المشكاة أن مفتاح النهضة المجتمعية لا يكمن في تجاوز الزعامات التقليدية أو تجاهل المرجعيات الدينية، بل في العمل على إعادة توظيف هذه البُنى التاريخية كشركاء أصيلين في التغيير، ضمن مشروع ينهض بالجميع لا على حساب أحد.

فرغم ما مرّت به هذه المرجعيات من تحديات وتداخلات سياسية أثّرت على استقلالية قراراتها أحيانًا، إلا أنها ما تزال تحتفظ بمكانتها المعنوية، وبشبكاتها الاجتماعية العميقة، التي لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها في أي تصور للإصلاح.

وفي هذا السياق، فإن دور العائلات لا يقل أهمية عن المرجعيات العامة؛ فهي تشكّل حجر الأساس في البنية الاجتماعية، ومن خلالها يُعاد ترميم الثقة، وتثبيت القيم، وبناء وعي جماعي راسخ.
لقد كانت العائلة الدرزية – وما تزال – الحاضنة الأولى للتربية، والانضباط، والهوية الأخلاقية، من المضافة إلى سلوك الحياة اليومية.
ومن هنا، فأي نهوض مجتمعي حقيقي لا بد أن يستند إلى إحياء هذا الدور وتقويته، لا تجاوزه أو تذويبه.

كما يؤمن مركز المشكاة أن المشروع النهضوي المطلوب لا ينبغي أن ينغلق داخل المجتمع نفسه، بل أن ينفتح باتجاه الدولة، ومؤسساتها، وبنيتها الوطنية، من منطلق الشراكة لا الخصوصية.
إن المشاركة السياسية المنظمة والمدنية تفتح الباب أمام جيل جديد يكون له دور فاعل في بناء دولة عادلة، لا الاستغراق في الهامش أو العزلة.

هذا النوع من المشاريع المجتمعية الواعية، لا يعزز فقط من حضور المجتمع الدرزي، بل يرفد الدولة نفسها بطاقة استقرار، ويغنيها بعناصر فاعلة ومؤمنة بالوطن المشترك.

أما الزعامات التي تُدرك طبيعة التحولات، وتتمتع بالمرونة والحس التاريخي، فبوسعها أن تكون جزءًا حيًا من المستقبل، لا فقط من الماضي.
لكن بالمقابل، فإن من يُصرّ على الانغلاق أو تأجيل التغيير بحجّة الحفاظ على التوازن، قد يفوّت اللحظة، ويجد نفسه خارج مسار التحول، حين يُعيد المجتمع ترتيب أولوياته وقواه الحيّة.

المجتمع الدرزي في سوريا يمتلك طاقات حقيقية للنهوض، لكنه يحتاج إلى رؤية جامعة تجمع الأجيال، وتُبقي على الجذور، وتفتح النوافذ نحو المستقبل.
وهنا، يصبح التحدي ليس في البدء… بل في البدء معًا.

✍️ رشاد أبو سعدة
مدير مركز المشكاة للدراسات .

🔸#المجتمع_الدرزي #سوريا_الاجتماعية #الدولة_والعائلة
🔸#زعامات_تاريخية #جيل_جديد #المشكاة_للدراسات
🔸#الهوية_الدرزية #الانخراط_الوطني #الشراكة_في_الدولة
🔸#النهضة_من_الداخل #سوريا_ما_بعد_الأزمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *