‫الرئيسية‬ مقالات إعلان الترشح لمجلس الشعب بين جدل شرعية التمثيل وصلاحيات السلطة

إعلان الترشح لمجلس الشعب بين جدل شرعية التمثيل وصلاحيات السلطة

إعلان الترشح لمجلس الشعب في سوريا – بين جدل شرعية التمثيل وصلاحيات السلطة الانتقالية

📌 خلفية الإعلان ومضمونه

أصدرت اللجنة العليا للانتخابات المعينة من قبل الرئيس الشرع إعلانًا بفتح باب الترشح لانتخابات مجلس الشعب وفقًا للإعلان الدستوري الانتقالي الصادر عام 2025. ونص الإعلان الدستوري في مواده (24–27) على تشكيل مجلس الشعب بثلث معيّن من قبل السلطة الانتقالية وثلثين بالانتخاب الشعبي، مع صلاحيات واسعة للرئيس المؤقت في إدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية.

  • المادة 24 من الإعلان الدستوري نصت صراحةً على تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب من قبل السلطة الانتقالية:
    (يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة). هذا النص يُمكّن السلطة الانتقالية من تأمين كتلة تملك حق العرقلة أو تمرير القرارات.
  • المادة 39 لا تعطي الرئيس المؤقت حق إصدار المراسيم في حال تعذر انعقاد المجلس، أو تحديد مدة لتعذر الانعقاد، ما يفتح الباب لإصدار قوانين بمعزل عن البرلمان.
    1. لرئيس الجمهورية حقُّ اقتراح القوانين.
    2. يُصدر رئيس الجمهورية القوانين التي يقرها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها. ولا تقرُّ القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، وفي هذه الحالة يُصدرها رئيس الجمهورية حكماً.
  • المادة 41 تجيز للرئيس إعلان حالة الطوارئ بعد التشاور مع مجلس الأمن القومي المعين من قِبَله (أي ضمن اللون الواحد المعترض عليه من باقي المكونات السورية) فقط وليس مجلس الشعب، في مخالفة واضحة لقاعدة تقييد إعلان الطوارئ بموافقة برلمانية التي كرستها تجارب دستورية حديثة مثل الدستور التونسي (2014، الفصل 80).
  • المادة 50:
    (يتم تعديل الإعلان الدستوري بموافقة ثلثي مجلس الشعب بناءً على اقتراح رئيس الجمهورية.) تعطي الصلاحيات باقتراح التعديلات فقط لرئيس الجمهورية، وهذا لا يتناسب مع دور مجلس الشعب.

الإضافات المقترحة في خلفية الإعلان:

  1. السماح لمن يحملون الجنسية غير السورية للترشح:
    يجب أن يتوافق هذا الشرط مع معايير أكثر دقة تضمن الولاء والوطنية، وخاصة لأولئك الذين لم يقيموا في سوريا مطلقًا أو ربما حصلوا على الجنسية السورية بسبب الأصول. لذا، كان من الأوجب اشتراط الإقامة في سوريا لمدة لا تقل عن 10 سنوات قبل عام 2011 كشرط للترشح، لضمان التزامهم التام بالمجتمع السوري وقضاياه.
  2. بالنسبة للمحكومين بقضايا سياسية أو أمنية:
    يجب أن يُفرق بين القضايا الأمنية والقضايا السياسية. فالأمنية شيء، والسياسية شيء آخر. كما كان من الأجدر توضيح التهم السياسية، سواء كانت دولية أم ناتجة عن السلطة السابقة، وهذا معيار أساسي يجب تبيانه لضمان العدالة في الترشح.
  3. المحكوم بحكم مبرم بجنحة شائنة:
    في حال تم الحكم على شخص بجنحة شائنة، هل يُسقط الحكم عليه عضويته في مجلس الشعب إذا تم اكتشاف الحكم بعد أن أصبح عضوًا؟ كان من الأفضل اشتراط سجل عدلي نظيف دون الخوض في تفاصيل أو تباين مفاعيل الأحكام لاحقًا، لضمان نزاهة الأعضاء.
  4. الحكم على الكفاءات من خلال الشهادة الجامعية:
    إن الحكم على الكفاءات استنادًا فقط إلى الشهادات الجامعية هو أمر مجحف، حيث أن هناك شهادات وخبرات عملية تعتبر أيضًا من الكفاءات المهنية والعلمية. كان من الأفضل الاعتراف بالكفاءات المتنوعة عبر إضافة معايير مهنية وعملية تتناسب مع الخبرات.
  5. إهمال دور المرأة بشكل كامل:
    يظهر الإعلان تجاهلاً لدور المرأة في العملية السياسية. فالإصلاحات الانتقالية يجب أن تضمن تمثيلًا عادلاً للنساء في جميع المؤسسات السياسية، بما في ذلك مجلس الشعب.
  6. عدم فهم طبيعة المجتمعات السورية بالنسبة لتقسيمهم إلى أعيان وأتباع:
    إن تقسيم المجتمعات السورية إلى أعيان وأتباع في هذا الإعلان لا يحقق العدالة والمساواة بين المواطنين. هذا التقسيم قد يعزز التهميش ويقوض المساواة السياسية. كان من الأجدر أن يتبنى الإعلان معايير تضمن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين بغض النظر عن خلفياتهم العائلية أو الاجتماعية.

🔎 المقارنة مع تجارب الدول الأخرى

  • في جنوب إفريقيا (1994): تم تشكيل جمعية تأسيسية منتخبة بالكامل من الشعب، تولت سن الدستور المؤقت والدائم، ولم تُترك أي نسبة للمقاعد بالتعيين لضمان المشروعية.
  • في ليبيا (2012): انتخاب المؤتمر الوطني العام تم بنسبة 100% عبر الاقتراع العام المباشر؛ لكن غياب الضمانات الأمنية والدستورية أسهم لاحقًا في فشل التجربة.
  • في تونس (2011): المجلس التأسيسي كان منتخبًا بالكامل، وجرت الانتخابات تحت إشراف هيئة قضائية مستقلة، ما أعطى شرعية قوية للمؤسسات الانتقالية وأدى إلى صياغة دستور 2014.

🗣️ موقف الأكراد والدروز: تخوف مشروع من الإقصاء

عبرت قوى كردية في شمال وشرق سوريا عن تحفظها على الإعلان الدستوري وصيغة مجلس الشعب، معتبرة أنها تتيح للسلطة الانتقالية تكريس التهميش السياسي للمكونات غير العربية أو غير المسلمة، ما يهدد مستقبل التعايش الوطني ويعيد إنتاج ما عانته هذه المكونات خلال العقود الماضية.

وفي السويداء، أعلن سماحة الشيخ حكمت الهجري – الزعيم الروحي للدروز – رفضه للإعلان الدستوري معتبرًا أنه لا يلبي طموحات السوريين ولا يحترم تنوعهم الديني والقومي، محذرًا من انحراف الثورة عن أهدافها الأصلية إذا تحولت السلطة الانتقالية إلى أداة حكم أحادية باسم الثورة.

💡 رأي المِشكاة

أصبح من الواضح مما سبق أن الإعلان الدستوري غير المتوافق عليه من المكونات السورية لن يؤسس لسلطة تشريعية متوافق عليها، وبالتالي سيكون كل ما سيصدر عنها مثار جدل وصدام، وخاصة أنه لا يوجد أيضًا قانون حوكمة واضح ومتفق عليه يضمن سير وقانونية العملية الانتخابية ومصداقيتها. وعدنا إلى حيث ما بدأنا بما يشبه رقابة البعث على الانتخابات. لذلك، لا بد وبشكل جدي الاستماع إلى مطالب المكونات السورية غير المتفقة مع سلطة دمشق سياسيًا، والنظر بما يلي:

  • تعديل المادة 24 ليصبح مجلس الشعب منتخبًا بنسبة 100% انتخابًا حرًا ومباشرًا.
  • وضع نصوص توضح صلاحيات الرئيس في إصدار المراسيم في حال تعذر انعقاد مجلس الشعب، بحصولها على موافقة لاحقة من المجلس المنتخب خلال مدة قصيرة (30 يومًا مثلًا) لضمان التوازن.
  • تعديل المادة 41 لحصر إعلان الطوارئ بموافقة مجلس الشعب، بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة.
  • سن الشكل اللامركزي في الدستور لترك هامش لإقرار مواد تضمن تمثيل المكونات القومية والدينية بعدالة في كل مؤسسات الدولة، وصون حق المسيحيين والأكراد والدروز وغيرهم في المشاركة السياسية الكاملة.
  • تقليص الفترة الانتقالية لحد ثلاث سنوات لكتابة دستور يحدد شكل الدولة ونظام الحكم بما يتوافق مع طبيعة المكونات السورية وتحقيق النظام الديمقراطي.
  • إصدار قانون للأحزاب وتفعيل الحياة السياسية في سوريا لضمان مشاركة الأحزاب بالانتخابات والترشح.
  • إصدار قانون لضبط الانتخابات والعملية الانتخابية لتكون شفافة ديمقراطية وضمان استقلالها ونجاحها.

🔹 التوصيات النهائية:

بموجب هذه الملاحظات والتوصيات يصبح واضحًا أن استمرار العمل بالإعلان الدستوري بصيغته الحالية دون تعديل يشكل تهديدًا لمصداقية العملية الانتقالية ويعرض وحدة السوريين ومستقبلهم الديمقراطي للخطر.

المِشكاة مرصد ومركز دراسات سوري مستقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *