
هل سقط نظام الأسد… أم سقطت سوريا؟
رشاد ابو سعدة- مدير المركز
✒️ هل سقط نظام الأسد… أم سقطت سوريا؟
منذ لحظة سقوط نظام بشار الأسد الفار في أواخر عام 2024، خُيّل للبعض أن البلاد على وشك أن تطوي صفحة الاستبداد وتستعيد حريتها، لكن الواقع – كما تكشف تفاصيل المشهد – أكثر تعقيدًا من مجرد “سقوط نظام”.
ما حدث فعليًا لم يكن ولادة جديدة لسوريا، بل إعادة تصنيع دولة على أسس مختلفة تمامًا، تُرسم خارج حدودها، وتدار بروح لا تشبه ما كان يطمح إليه أبناؤها.
📌 صعود نظام ديني… باتفاق دولي لا شعبي
السلطة الجديدة، التي برزت بقيادة “أحمد الشرع” (أبو محمد الجولاني سابقًا)، لم تأتِ عبر صناديق اقتراع أو حراك شعبي جامع، بل جاءت نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية، صوِّرت على أنها “حل وسط” بعد الانهيار.
تحت يافطة “التحكيم بالشريعة”، تشكّل جهاز حكم هجين، يخلط بين سلطات فصائل سابقة، ورجال دين، وأجهزة أمنية جُدد، أُعيد تدويرهم في سياق يبدو أقرب إلى “التوافق الاستخباراتي” منه إلى أي عملية بناء دولة.
المفارقة أن الحكم الديني هذا لا يملك برنامجًا وطنيًا جامعًا، بل يدير البلد بالفتوى والمزاج الأمني، ويُقصي كل صوت مختلف، تحت شعارات “الضبط والانضباط”.
المال التركي… يدير الدولة من الخارج🇹🇷
إلى جانب التحول الأيديولوجي، تم فتح الاقتصاد السوري بالكامل أمام الاستثمارات التركية والخليجية، عبر سلسلة من العقود التي شملت الكهرباء، الموانئ، المعابر، وشركات الاتصال.
المشهد بدا وكأن سوريا الجديدة تُسلّم مفاتيحها – طواعية – لمن يملك المال. أما النتيجة على الأرض، فكانت واضحة:
الخصخصة طالت كل المرافق الحيوية.
السيطرة التركية باتت ملموسة على كل قرش يدخل ويخرج.
القرار الاقتصادي صار مرتهنًا لمن يضخ التمويل، لا لمن ينتخب المسؤول.
هذا النموذج، مهما زُيّن بعبارات مثل “النهوض” أو “التحفيز”، هو في جوهره فقدان للسيادة الاقتصادية، وتنازل مقلق عن حق السوريين في تقرير شكل اقتصادهم، وأولوياتهم.
🧭 دمشق… من القلب النابض إلى العاصمة المراقَبة
لطالما كانت دمشق بوصلة العرب، ومركز الثقل الثقافي والسياسي لسوريا. عبارة الزعيم القومي الراحل جمال عبد الناصر حين قال “دمشق قلب العروبة النابض” لم تكن مجازًا، بل توصيفًا دقيقًا لعقود من التاريخ.
لكن اليوم، تغيّرت بوصلة المدينة:
يوجد مبعوث أميركي خاص يتحكم بخيوط السياسة والأمن.
ملفات الاقتصاد والحدود تُدار بتنسيق مع الأتراك.
تفاهمات تحت الطاولة تُطبخ بشأن الجنوب، برعاية إسرائيلية غير معلنة.
وحدات عسكرية فيها أجانب باتت تشرف على الأمن، لا سيما في محيط العاصمة.
كل هذا أفقد دمشق تلك الهالة القومية التي كانت تتمتع بها. فهل يمكن لعاصمة قرارها موزع بين الخارج أن تُلهم الداخل؟ وهل من المنطقي أن نبقي بوصلتنا مشدودة نحو مدينة لم تعد حرة القرار؟مع عجزنا اليوم على اعادتها الى نبضها العربي الصحيح في ظل ميزان القوى الاقليمية والدولية النافذة فيها ؟
🧠 ما حدث أكبر من مجرد سقوط رئيس
من منظور مركز المشكاة للدراسات، ما حدث لا يمكن اختزاله في سقوط الأسد، بل هو تفكك بطيء لمفهوم الدولة السورية.
اليوم، نعيش في كيان جديد تتجلى فيه:
سلطة دينية بلا عقد اجتماعي.
اقتصاد سوقي مفرغ من السيادة.
حدود يُعاد ترسيمها بقوة النفوذ، لا بالخرائط.
عاصمة فقدت عمقها القومي، وباتت ساحة نفوذ مشترك.
وفي هذا المشهد، بات “الوطن” مجرد عنوان، لا مضمون.
🎯 خاتمة المشكاة: سوريا أُعيدت برمجتها
إذا كان الأسد قد رحل، فالكيان الذي خلفه لا يمثل التحرر الذي حلم به السوريون.
إنه مشروع جديد، تحكمه توازنات الخارج، وتغيب عنه روح الداخل.
نحن لا نعيش في دولة ما بعد الثورة، بل في منطقة نفوذ أعيد تشكيلها بعناية، لتناسب مصالح اللاعبين لا مصالح الناس.
الخطورة لا تكمن في الأسماء أو الشعارات، بل في من يملك القرار، وكيف يُدار الواقع، ولصالح من تُكتب السياسات.
🔸 #سوريا_الجديدة #دمشق_إلى_أين #الهوية_القومية #حكومة_الشرع
🔸 #النفوذ_التركي #المبعوث_الأميركي #المشكاة_للدراسات
🔸 #قلب_العروبة #ما_بعد_الأسد #إعادة_برمجة_سوريا
📍 مركز المشكاة للدراسات والتحليل السياسي
صوت مستقل يعيد قراءة الواقع السوري من منظور وطني، غير خاضع للقطبية السياسية أو النفوذ الخارجي.




